Loading...

يقول الإمام الأعظم “أبو حنيفة النعمان”: “هم رجالٌ ونحن رجال”، ويقول كذلك: “علمنا هذا رأى من أتانا بأحسنَ منه قبلناه”، ويقول محمد بن إدريس الشافعى: “رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب”، وقد أصاب الشافعى حين ترك لنفسه مساحة من الخطأ مع مساحة الصواب، فقد أفتى فى مصر بغير ما كان قد أفتى به فى العراق، وقال الإمام الكرجى القصاب: “من لم ينصف خصومه فى الاحتجاج عليهم لم يقبل بيانه وأظلم برهانه”.

درجنا على قول “أجمعت عليهم الأمة” وها هم الأئمة الذين أجمعت عليهم الأمة أنفسهم لا يجمعون ويقرون الاختلاف حتى مع أنفسهم، وقيل إن فى اختلافهم رحمة، ولكن يبدو لى نسينا الرحمة مع ما نسينا من اختلاف وعدنا لا نذكر إلا الإجماع على كل شىء. 

منذ ذلك الحين حتى عصرنا هذا يبدو لى سيظل من قضوا نحبهم مجمعين وسنظل نحن اللاحقون نجمع على ما أجمعوا؛ دون أن يسأل؛ كلٌ فى دائرة تخصصه؛ سؤالاً أكاديمياً بلغة البحث المستخدمة فى عبارة “أجمعت عليهم الأمة” أسئلة تفرض نفسها كى يصح البحث بالمقاييس العلمية، كمثل ما هى الأمة؟ ومن المقصود بها؟ وكيف كان يتم هذا الإجماع؟ وكيف كان يحصى فى الإمبراطورية الإسلامية مترامية الأطراف، لا وسائل تواصل أو اتصال أو مواصلات سهلة سريعة؟ وكيف كان يتم الإجتماع؟ وكيف كانت تتم عملية التصويت؟ وكيف يحدد الإجماع؟ وما هو مبلغ جموع الأمة من العلم كى تجمع أو لا تجمع؟ وهل كانوا يقرؤون كل ما يُكتب؟ وهل تيسر لهم ما تيسر لمن بعدهم من وسائل العلم والتكنولوچيا الحديثة فى الوصول للمعلومات جديدها وقديمها وكل ما قيل أو يقال حول نفس الشأن من قريب ومن بعيد وكل البدائل المطروحة بضغطة زر كما هو الحال الآن، فتصبح كل المعلومات تحت أيديهم ويصبح الحكم على ما يجمعون وما لا يجمعون متيسرا؟

وهل يمكننا معرفة عدد “الأمة” التى أجمعت؟ وما نسبة هؤلاء قياساً على عدد المسلمين والباحثين من المسلمين وغير المسلمين الآن؟ أو ليكن بالقياس لعدد الذين عاشوا على وجه الأرض حتى يومنا هذا أو لنقل حتى عدد المسلمين منهم والباحثين؟ وهل يجمع السابقون بالنيابة عن اللاحقين؟ وهل لا نلقى لكل من بحث وما بُحِث ودُرِس من بعد هؤلاء بالا؟ وماذا نفعل فيما جد من العلوم والكشوفات؟ أنغلق العلم على ما فات وكل جديد هو من سقط المتاع نلقى به فى عرض البحر؟

هل كان مثلًا فى علم الأمة وعلم الأئمة التى أجمعت عليها الأمة علم الأجنة والتلقيح الصناعى وأطفال الأنابيب؟ هل كان بإمكانهم رؤية الجنين فى بطن أمه فيعلمون ما فى الأرحام من ذكر وأنثى وتشوهات خلقية فيذهبون لغير ما ذهبوا فى تفسير الآيات؟ هل عرفوا علم الوراثة وتحليل الجينات والعلاج الچينى والعلاج بزرع الأعضاء وزرع النخاع والعلاج بالخلايا الجذعية؟ لا أظن فتاواهم كانت ملمة بما سيحدث فى العلم من ثورة بعد عصورهم بآلاف السنين! ثم هل لا يوجد أئمة آخرون بآراء فقهية غير ما نعرف؟ وإذا كان و من المؤكد أنه كان، فلِمَ بقى من بقى وزال ذكر من زال ذكره؟ ما عوامل التعرية التى أدت لذلك؟.

“الليث بن سعد، أفقه من مالك إلا أن أصحابه ضيعوه!” هكذا قال الشافعى، وليست هذه الأولى فى التاريخ، فسقراط مثلا لم يكتب شيئاً ولولا ما كتب عنه تلميذه أفلاطون لطواه النسيان، وكذلك لم يفعل أبو حنيفة ولولا تلاميذه للحق فقهه فقه ابن سعد، إذن عوامل البقاء لم تكن للأصلح بل لمن كان له تلاميذ أو أصحاب وفوا وسجلوا أما من عدمهم فقد عدم الوجود، وكذا من رضى عنهم الحكام فتركوهم وباركوا أعمالهم فخلدت، أما من غضبوا عليهم ونفى أو أحرق أو أحرقت كتبه، مثال ابن رشد أو المعتزلة أو الجاحظ أو ابن المقفع إلى آخر القائمة؛ والتى أنقذت أعمالهم بفضل من أخلصوا للعلم؛ لربما ضاعت أعمالهم بعدما ضيعهم الحكام.

وأين نحن فى مصر من جعفر الصادق أهم أئمة الشيعة، وكنا نعده خامس الأئمة؟ لِمَ نغفل فقهه الآن ونحن أحوج لتقريب المذاهب والرؤى من التباغض والتنائى والتباعد؟ لم نعد نر فى الاختلاف رحمة لأننا لم نبق إلا على الإجماع.

وقد زاد العلم وفاض وتشعب حتى أصبح فى حاجة إلى فقه يلم بالعلوم الحديثة، فقه يستوعب بحور العلم الواسعة الشاسعة، فلا يصطدما مع ما ثبتت صحته، هل يصح فى عصر العلم أن نكرر أن فى بعض كتبنا مدة الحمل الشرعى تصل لأربع سنوات من وفاة الأب لفتوى تقضى برقاد الجنين فى رحم أمه وننسخ آية “وحمله وفصاله ثلاثون شهرا”؟، أفلا يكون ظلما وجرما أن نقضى بهذا بعد وجود تحليل الحمض النووى ونقضى أن الولد للفراش، وأن من أنكره أباه فهو لأمه دون الأب، كما تقضى المحاكم فى قضايا الزواج العرفى؛ الذى أجازه بعض الشيوخ؟؛ فى حين لم يلزموا الآباء بتحاليل إثبات البنوة حسب الكشوف العلمية الحديثة! ومن يتحمل وزر اختلاط الأنساب وضياع الحقوق وزواج المحارم، وبإمكاننا حسم مثل هذه القضايا؟

من يفتى فى زواج الصغيرات وتحملهن النكاح وما يترتب عليه غير الأطباء المتخصصين، ومن يفتى فى ختان الإناث وما له من أثر غير العلم؟ قضايا على صفيح ساخن تثار كل يوم ما لنا بها أوزارٌ نتحملها نحن الأطباء أمة العلم وأئمته من تعلمناه دَرَسْناه ودَرَّسْناه، ولا ينبغى ألا نعتد به وألا يعتد بكلامنا؟ وكذلك كل علمٍ من علوم غيرنا من أرباب العلوم وكلامهم لِمَ لا يعتد به. باختصار هل نحن – الجدد – خارج الأمة؟ 

د. إيمان رفعت المحجوب

* أستاذ بطب قصر العينى

Facebook Comments