Loading...

الافتتاحية:أمان الله المنصوري

إما أن تثور أو أن تستسلم للواقع فإن اختارت الحرية تمردت ، وإن اختارت حياة العبيد استسلمت

في صغري حين سردوا على مسامعي قصة النملة والصرار اصطففت تلقائيا وعكس الأخرين مع الصرار.. ذلك الشقي المتمرد الذي قضى صيفه يعزف سمفونية الحياة بين الجداول ويتمتع بنسمات الحقول الليلية، عكس نملة أفنت صيفها بين جحرها المظلم، ولظى أشعة الشمس، باحثة عن قوتها، وصامة آذانها عن موسيقى الحرية، ومتكبدة عناء جر طعام يفوق حجمها بمرات… حينها تساءلت ما متعة الحياة إن كان أولها تعب وآخرها تعب … أية عبثية يمكن أن تعيشها نملة تمركز هدف حياتها بين جمع الأكل صيفا وأكله شتاء؟ ما فائدة أن تكون رقما يلهث تعبا إلى أن ينتهي بشطبه من سجل الأحياء؟

ما أشبه عبثية حياة النملة بأسطورة سيزيف حين جعلت منه الآلهة عامل جحيم لا جدوى من عمله.. عاقبته بأن دحرج بلا انقطاع إلى قمة الجبل صخرة ثقيلة، تعود لتهوي إلى الأسفل، فيعود لدحرجتها مجددا للقمة في دائرة عبثية لا نهاية لها.

رفضت عبثية هذه الحياة كما رفضت النهاية البشعة التي انتهت بها القصة… فعبثا حاول كاتبها طمس حقيقة أنانية نملة تقبلت فكرة موت الصرار جوعا لإشباع غرورها… كيف سمح القدر للعابثيين أن يقرروا مصير مريدي الحرية؟
كبرت وزاد رفضي لفكرة موت الصرار، فالحُر لا يموت، هذا ما تعلمته من روايات المتمردين… كبرت وعلمت أن الراوي كذب حين أوهمنا بأن النملة منعت الطعام عن الصرار حتى مات جوعا، لم يكن عبثيا كما روج عنه في القصص، بل كان صاحب رسالة، ففلسفة تدويناته دفعت النملة للبحث مجددا عن معنى الحياة، وهي التي عاشت عبثية تستوجب الانتحار…

اختارت النملة التمرد ولم تستسلم لثقافة القطيع، وغنت مع الصرار، ورقصت على أنغامه، وتقاسمت معه الحلم… كان تغييرا جذريا خاف معه النظام أن ينهار إن مال النمل لاعتناق ثقافة التغيير الثوري… فأنهى حياة النملة جثة مسحوقة ومعلقة على أسوار مدينة النمل… لم يكن يعلم النظام حينها أن في موت النملة حياة للآخرين… لم يكن يعلم أن فلسفة النملة تحيا بعد موتها… أترك لكم أن خيار إتمام القصة، فهناك فرضيتان لا ثالث لهما.. إما أن تثور قبيلة النمل أو أن تستلم لواقع القوة.. تلك هي حقيقة الشعوب، أصعب ما فيها قابليتها التغيير… فإن اختارت الحرية تمردت، وإن اختارت حياة العبيد استسلمت.

أغلق القوس لأعود لصديقنا الصرار، ذلك الشقي المتمرد الذي لم يسأم من مواصلة فلسفة حياته نهارا وتمرده ليلا، حين كان يوزع سرا دواوينه تحت أبواب بيوت النمل… صمد صمود الأبطال أمام قصف النظام الإعلامي… لم تمنعه الروايات التي حيكت عن عبثه وموته جوعا من أن يتم رسالته… لم تستسلم إرادته لأقلام النظام المأجورة… كم تأسفت حقا حين علمت أن راوي القصة كان أحدهم! كم تألمت كيف استطاع أن يوهم أجيالا أن الحياة في العبودية والموت في الحرية! كم حزنت لآلاف الصراصير التي سحقت تحت نعال أطفال المدارس بعد أن استسلموا لروايته الكاذبة.

كثيرون منا إن لم أقل أغلبنا تقبل قصة النملة والصرار بصيغتها المشوهة، كثيرون لم يتساءلوا عن مغزى تدريسنا لمثل هذه القصص، قليلون هم من تقمصوا دور الصرصار فيما تقمص أغلبنا دور النملة، قليلون هم من وجدوا في التدوين مساحة لمقارعة فوضى النظام… وعني أنا فإني أتقمص روح الصرار من روح فقيد التدوين في تونس زهير اليحياوي الذي أرفع له القبعة مجددا وأترحم على روحه الطاهرة.

زهير الذي خطفته أيدي النظام من بين أيدينا ذات يوم أسود عام 2005، وهو الذي اختار أن يكون صرارا في مملكة النمل… نعم مات زهير ولم تمت روح الصرار فينا… مات رائد المقاومة الإلكترونية ولم تمت تدويناته التي قصمت ظهر النظام… مات زهير وقد هشم أسطورة مجتمع النمل الخاضع… مات المعلم ليكون قدوة لكثيرين آمنوا بإسقاط نظام سقط ذات شتاء من عام 2011.

لا تتركوهم يجعلوا منكم نملا… دونوا من أجل الذين استسلموا!

Facebook Comments