Loading...

وصفت الاعلامية التونسية كوثر البشراوي في حوار خصّت به حقائق أون لاين على هامش فعاليات الدورة العاشرة من مهرجان “الغدير الدولي للاعلام” الذي انعقد مؤخرا بمدينة النجف العراقية رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بالخديعة الكبرى والثانية بعد تجربة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة التي قالت عنها إنها من أذكى وأدهى الحركات الاسلامية في المنطقة العربية.

البشراوي تحدثت بلا قفازات وبخطابها المعهود المنتقد للواقع السياسي التونسي الراهن وللتطورات الحاصلة في المنطقة العربية وفي العالم الاسلامي في زمن ما بات يعرف بالربيع العربي الذي نعتته بالمشؤوم، فكان لنا معها الحوار التالي:

* ما سرّ غيابك عن الساحة الوطنية التونسية رغم التطورات التي عرفتها البلاد منذ 2011؟

في الحقيقة هو ليس غيابا.فان كنا نتحدث عن الغياب الجسدي هناك العديد من الناس المقيمين في تونس لا رأي لهم وحضورهم هو بلا طعم ولا رائحة. أعتقد أنّ الحضور والغياب لا يقاسان بهذا الشكل.

أولا ما يحدث في تونس هو جزء مما يحدث في الخارطة العربية، وأنا لديّ قناعة وايمان ويقين أنّ ما يحصل في تونس يعني سوريا، وما يحدث في سوريا يهم ما يحصل في ليبيا، وما يستجد في ليبيا قد يؤذي العراق، وما يؤذي العراق قد يمسّ لبنان.

في رؤيتي لما يحدث، هذه العناصر لا يمكن الفصل بينها.

ثانيا نحن الان نلتقي في العراق وبالامكان أن أتحوّل إلى تونس على متن أوّل طائرة لو كان هذا شيء ما يمكن أن نفيد به أو نستفيد . وقتها أنا لا أتردّد في القدوم. ولكن أنا أعتقد أنّ تونس ربّما هي الاستثناء الوحيد الذي لا أُستدعى فيه لا تلفزيونيا ولا في الصحافة إلاّ بالصدفة إذا ما علموا أنّي في تونس. هذه الدعوات تأتي في آخر لحظة ومن هو فعلا يريد دعوتي من منظور رأي ما أو لايّ صفة أخرى يمكن أن يوجه دعوة خاصة مثلما تتم عملية استدعاء المصريين أو اللبنانيين أو أيّ شخص من بلد آخر. أمّا بالنسبة للعب الاطفال الذي يقوم به البعض حينما يسمع بوجود شخص ما في البلاد فهذا لا أقبله فالاستضافات في القنوات التلفزية لا تتمّ هكذا قبل يوم من تاريخ التصوير.

وبصراحة أنا لم أتلق أيّة دعوة من أيّ جانب اعلامي تونسي.

* مواقفك ممّا يحصل في تونس وفي الوطن العربي هل يمكن أن تكون سببا وراء عدم توجيه الدعوة لك؟

لا أبدا. مواقفي مشرفة وأفتخر بها. أنا ضدّ داعش والاسلام السياسي المتمثل خصوصا في الاخوان والنهضة فرع منهم، ولولاهم لما جاءت داعش. هذا رأيي يا أخي وأنا حرّة فيه.

وأنا لم أغيّر رأيي، هذا الكلام أقوله منذ 2011. صحيح أنّ المنافذ التي أتحدث منها قد تعدّدت ولكن كلمتي واحدة.

* البعض من المحللين والمتابعين يرون أنّ تونس رغم كلّ التعثرات تظلّ استثناء في زمن ما بات يسمّى بالربيع العربي. كيف تقيمين هذا الطرح؟

عن اي استثناء تتحدثون؟ محزن حالنا .صحيح مقارنة بسوريا وليبيا نحن في جنة ونعيم ويجب أن نشكر الله صباحا ومساء .اليوم هناك قرابة 300 ألف من الضحايا في سوريا ولن أقول لك هل هم شهداء أو قتلى.

الموضوع ليس في هل هم شهداء ام قتلى. والله يرحم الجميع . لكن هناك فرق في العدد. في تونس لدينا شهداء كما نحرص على حرمتهم وبصوت عال نرفض أن تتطاول داعش أو النصرة أو السلفيون أو أيّ جماعة تحت أيّ مسمى على الجيش السوري الذي يحمي الوطن.

نحن لا نقبل لدواعش عند الاخرين بأن يتطاولوا على جيش آخر.والمبدأ واحد مثلما هو الحال في تونس .نحن أيضا حالنا مزرٍ .

* على أيّ صعيد اعتبرت أنّ حال تونس مزرٍ؟

في كلّ المستويات.نحن الان في زمن الخديعة وراء الخديعة.أيّام الترويكا كان هناك شيء ما ولمّا جاء السبسي أدخلنا في زمن الخديعة الثانية.وهي ربّما الخديعة الابشع.

* هل نفهم من كلامك أنّ ما يوصف بالتوافق الحاصل بين حركة نداء تونس وحركة النهضة هو خديعة؟

الخديعة الكبرى هي من الباجي قائد السبسي وليست من النهضة. حركة النهضة واضحة في العلن وهي تريد الوصول للسلطة ولاتخفي مقاصدها.الباجي هو أصلا بنى خطاباته الدعائية للرئاسة على عكس ما يحصل حاليا.هل أنا في هذا الموضوع أكذب؟

وطوابير الناس الذين ذهبت إلى السفارات تنتخب السبسي هل وعدهم بالتحالف مع النهضة؟

* ولكن حركة النهضة اليوم تقدّم خطابا سياسيا مغايرا لما كانت عليه زمن حكم الترويكا وهي أعلنت في مؤتمرها الاخير عن فصل السياسي عن الدعوي وعن كونها حزبا يريد خدمة الشأن العام وفق مقتضيات الدولة العصرية؟

هذه هي السياسة ورهانات السلطة وكل طرف يمكن أن يتلاعب بخطابه صباحا وليلا.

أنا الان لا أثق في أيّ جانب سياسي.كلهم ربهم السلطة تارة باسم الله وأخرى باسم محمد ومرة باسم الوعود القادمة من السماء.لم نر أيّ شيء.هل تراجع الفقر في تونس؟ هل تقلص الطمع والنفاق و”التلهميق”؟هل تغيرت العقليات؟ هل تقلص عدد “القوادة و البياعة”؟

الوضع بقي على ماهوعليه سابقا.لم يتغير أيّ شيء. بل يقال ان تونس كانت أكثر أمانا في عهد بن علي.أنا منذ 1990 غادرت تونس.لكن من عاشوا تحت الضغط هم أنفسهم يقولون هذا ظلم بعد ظلم. هل تحسن مستوى التعليم؟ هل تريدون أن نكذب على بعضنا البعض؟

تجربتنا السياسية والحزبية يبدو أنّها مازالت في مرحلتها الاولى.السبسي على أبواب التسعين سنة أوضح لنا بعض 50 سنة من ممارسة السياسة مع أدهى الدواهي وهو بورقيبة خصوصا.السبسي عاش مع البايات وعاشر بورقيبة وفي الاخير يمارس السياسة كالهواة.

* في اعتقادك تونس إلى أين تسير؟

تونس حينما يكون فيها مجتمع مدني قوي بالحسّ الوطني والشعبي العميق ستكون بخير.

الان التونسي العادي هو بصدد مساعدة التونسي الاخر الفقير. أنا لما أشاهد  هذه الحسّ وهذه التلقائية بعيدا عن الرشوة والطمع أرى أنّها رحمة من عند الله الذي منحنا شعبا جيدا وحكاما كلهم ليسوا في مستوى هكذا شعب ولا في مستوى طموحاته.

تونس إذا كانت استثناء فذلك بفضل شعبها وليس بفضل من يحكمها. هذا سابقا والان وربما يوم غد.أنا أرى من يملك الخبرة السياسية والحنكة التي تسمح له بمعرفة مقام نفسه ومقام شعبه.

* حركة النهضة بعد تجربة الحكم و التطورات الحاصلة على الصعيد الاقليمي لاسيما غداة ازاحة الاخوان من السلطة في مصر هل ترين أنّ “الجبّة التونسية” التي ترتديها اليوم هي نابعة عن مراجعات أم وليدة تكتيك ظرفي لاعادة التموقع في الخارطة ؟

النهضة هي من أذكى و أدهى الحركات الاسلامية في المنطقة العربية.هذا معروف وليس بجديد ونحن لا نحتاج الى الربيع العربي لكي نعي ذلك.

هم لديهم عقل أو اثنان يشتغلان.هم في السابق لم يمارسوا السياسة.هم في السابق مارسوا مظلوميتهم.والتونسيون يعرفون شيئا واحدا وهو ان تكون مظلوما.ولكن الخروج من خانة المظلوم وأن تصبح في خانة المحرر يمكن أن تقع في خانة الظالم.

القاموس الذي نملكه في تونس منذ الاستقلال هو اما ان تكون ظالما أو مظلوما.المرحلة الوسطى غير موجودة.فالسجين يمكن أن يصبح جلادك بسهولة.ليس لدينا خيارات أخرى.

(مبتسمة) هذا القاموس يقوم اما على “المقرونة” أو “الكسكسي” وأنت لك الاختيار.

لكن النهضة بالتحديد ضمن كلّ حركات الاخوان المسلمين تبقى من بين الاكثر دهاء.

والشخص الذي يأتي ويقول لك لم يعد حزبي  من الان حزبا دينيا وقد تمّ الفصل بين السياسي والدعوي لان هذا الاخير هو شأن خاص فهل هناك ضربة “معلم” أكثر من هذه؟ وهل هناك دهاء أكثر من هذا؟

محمد مرسي واجه المصير الحالي لانه أصر على البقاء في حزب ديني.

وحركة النهضة هي “التتونس” بعينه ضمن الاخوان المسلمين. هي حركة فعلا تونسية بدهاء و”تمكميك توانسة”. النهضة هي الحركة الاخوانية التونسية البحتة.ونوافذهم مفتوحة على الخلافة لان الاخوان المسلمين حينما يذهبون لاسطمبول أو لانقرة لعقد مؤتمر هم لا يتحولون إلى هناك كوزراء أو مسوؤلي دول بل تحت غطاء أردوغان الذي لا يعتبرونه رئيسا لتركيا فقط بل هم يرون فيه شيئا أكبر من ذلك.هذه عقليتهم يجب أن نعيها جيدا وأن نقبل بها. المشكل ليس فيهم بل فينا نحن. هل نوافق على ذلك أم لا؟

إذا وافقنا علينا أن نتحمل مسؤولياتنا وإذا لم نوافق يجب أن نقول رأينا بصوت عال.يجب أن نقول انه ليس لنا دخل بقطر ولا بتركيا.في البداية وعدونا بالنموذج التركي الذي تجد فيه في شهر رمضان طوابير من الناس تنتظر لكي تفطر عند موعد الاذان وبجانبهم شخصان تجدهما بصدد تقبيل بعضهما البعض.

إذا كانوا فعلا يريدون النموذج التركي يجب أن يعطونا ميترو تركيا واقتصادها وانفتاحها وليس التطبيع من اسرائيل وليسموا أنفسهم خلفاء.(مبتسمة )

فليعطونا النموذج التركي وأنا على استعداد لقيادة مظاهرة في شارع الحبيب بورقيبة لمساندة تسمية حركة النهضة بدولة الخلافة.

لكن أنا لا أقبل النفاق من خلال الحديث عن النموذج التركي ممن يطبق نموذج الصومال.

إذا كان المنفى و التهجير في بريطانيا قد قدم بلعب “العيال” هذا فماذا لو كان قادما من الصومال؟

هم من المفروض أن يكونوا من العارفين بمعنى الحرية الشخصية والقانون  والنظام البرلماني بما أنهم أقاموا في بريطانيا ودرسوا هناك وتحصلوا على شهادات من كبرى الجامعات البريطانية.

ليس من المعقول العودة الى تونس بعد 20 سنة في الظاهر بالنمودج الانقليزي وفي الباطن استبطان لنموذج الزنجيبار.هم على من يضحكون؟ هنا المعادلة لا تستقيم.

يعني النظام البرلماني يعجبهم لان الملكة “تنش في الذبان” ورئيس الوزراء هو صاحب الصلاحيات ولكن آلية الديمقراطية لا تعجبهم. كيف يمكن فهم هذه المفارقة ؟ (مبتسمة بشكل ساخر)

لا يجب الضحك على الناس وخداعهم .هناك وعي وهناك أيضا من هو على اطلاع على عديد النماذج الديمقراطية مثلهم.

* على ضوء المتغيرات الاخيرة على الصعيد الاقليمي في سوريا والعراق ومصر وتركيا وليبيا لاسيما بعد تراجع سطوة الاخوان المسلمين وبداية ضمور تنظيم داعش الارهابي ، هل نحن حسب رأيك إزاء منعرج جديد في تاريخنا الراهن في أعقاب موجات الثورات والحراك الاحتجاجي والتقلبات السياسية التي عرفها أكثر من بلد؟

أنا في 14 جانفي 2011 كنت قد اتصلت بالتلفزة التونسية وقد كنت مسرورة بما يحصل.

نحن لا نلوم الناس على أحلامهم التي سرقت للأسف.في تونس نحن نحمد الله ولكن تخيّل أنت المواطن السوري حينما يصحو صباحا يجد زوجته مذبوحة ورضيعه ممزقا.

هو ربيع مشؤوم أختلس وتحوّل إلى لعنة. نحن للاسف مازلنا نعيش ضمن لعنة التاريخ.ما يحصل من تلاعب بالدين وادعاء للربوبية يدخل في هذا السياق.

الان أخطر المواقع هي ليبيا وسوريا وفي هذين البلدين أعتقد أن ما يجري هو عملية تطهير للمكان من ربيعه.حتى لو استمر هذا الوضع لسنة أو لسنتين فان ما حصل هو حاصل محصول  والنصر سيكون هو النهاية وهذا يقين بالنسبة لي. والله يحمي جميع أهلنا في ليبيا وسوريا. هذا والله حرام. تخيّل ليبيا يذبح شقيقه الليبي وسوريا يذبح شقيقه السوري وتونسيا يذبح شقيقا ليبيا أو سوريا.

هذا عيب. لو فرضنا أنه بعد كلّ هذا قد انتهينا من الربيع “الزفت”  هنا نتساءل من سيسامح من؟

يمكن أن نعيد اعمار مدينة باكملها ولكن كيف سنرمّم النفوس؟ في سوريا اخوة قتلوا بعضهم البعض. ابليس الان منبهر منا.واسرائيل اليوم مسرورة لاننا قمنا بفعل شيء بانفسنا هو أكثر مما طلبته.وهذا حصل بلحمنا وبدمنا للاسف وبأبنائنا وبمالنا.

أعتقد أنه بالامكان تطهير الارض ميدانيا من هذا الربيع وشياطينه الدواعش ولكن كيف سنطهر جيلا كاملا من هذه اللعنة والصدمة؟

بعد جيل على الاقل يمكن أن نستعيد أنفاسنا ونكون في حال أفضل.

نحن حينما نقول على من يقتل جنديا تونسيا أنه ارهابي هو نفسه الذي يقتل الجنود في سوريا والعراق.يكفي من النفاق.ولايمكن لاي حركة اسلامية أن تبكي على شهيد الجيش التونسي العظيم وتستكثر على السوري أن يبكي شهداء جيشه ومقاومته. هذا عيب لابد من الخجل.

Facebook Comments