Loading...

أينما وليت وجهك في ولاية القصرين وربوعها الممتدة على مساحة 826 ألف هكتار (هي أكبر ولاية في الجمهورية من حيث المساحة) لا ترى الا الخراب واليأس بلوحان على وجوه السكان، حتى الأحجار تبدو كالحة تشكو الإهمال وتنعى الماضي البعيد حين كان لها من الأهمية والمكانة لدى الإمبراطورية الرومانية نصيل كبير مازالت اثاره حتى اليوم تشهد للقصرين بالتطور الحضاري الغابر، بينما يشهد الحاضر بالنسيان والفقر وانعدام الامل، فبعيش سكان الولاية اشباحا حية تنتظر الموت ولا تناله.

ثراء تاريخي ومنطقة حضارية عريقة

تقع القصرين في منطقة تاريخية هامة و ثرية، حيث توجد بها عدة مدن تعود إلى العهد الروماني، ومن أهمها سبيطلة وحيدرة وبنماقطة التاريخية. أما موقع القصرين نفسها فقد وجدت به قبلا مدينة تسمى سيليوم، ثم غاب اسمها في الفترات اللاحقة. أما المدينة الحديثة فقد تأسست على عين ماء تدعى عين القائد، وقد أكسبت بعض الأهمية إثر انتفاضة الفراشيش عام 1906، فأقيمت بها في ذلك العام مراقبة مدنية، بعدما كانت تالة هي التي تقوم بدور عاصمة المنطقة.

ويعود اختيار القصرين لمركزية موقعها في مجال قبيلة الفراشيش، وتدعمت أهميتها بعد شق السكك الحديدية لتمر بترابها، وخاصة بعد إنشاء مخزن لتجميع الحلفاء. وفي عام 1943 قامت بها إحدى أهم معارك جبهة شمال إفريقيا في الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء وفيلق الصحراء بقيادة إيرفن رومل. وفي 17 ماي 1945 تأسست بلدية القصرين رغم صغر البلدة آنذاك حيث كانت تعد حوالي الألف نسمة 650 منهم من الفرنسيين، ثم لم تكن تعد عام 1956 غير 2.700 نسمة، ثم نمت بسرعة بعد الاستقلال لتصل إلى 9.800 عام 1966 ثم 47.606 عام 1984و76.243 عام 2004، ويعود هذا النمو المتسارع إلى استقرار الكثير من أفراد القبائل فيها، ثم لأنها أصبحت منذ عام 1958 مركز ولاية مع ما يعنيه ذلك من تركز الأنشطة الإدارية بها. كما شهدت هذه الرقعة من تراب الوطن أول فتح عربي إسلامي تحت قيادة عبد الله بن الزبير وذلك حول مدينة سبيطلة سنة 674 م وتم من خلالها فتح كامل البلاد ثم شمال افر يفيا وجنوب أوروبا. وفي تاريخها الحديث شهدت سهول فوسانة وبولعابة المعارك قبل الأخيرة للحرب العالمية الثانية والتي كانت فيصلا في انتصار الحلفاء على النازية كما آوت جبال الولاية فيالق الثورة المسلحة صد الاستعمار الفرنسي خلال ملحمة التحرير الوطنية.

الولاية الضحية: القصرين منطقة منسية تحتضن الموت

لم يشفع التطور الحضاري ولا التاريخ العريق او الامجاد الغابرة للقصرين لتكون ضمن الولايات التي تحظى بالدعم والتنمية، أكثر من خمسين شهيدا قدمتهم المنطقة في ثورة 14 جانفي، وقبلها العشرات من الشهداء قضوا وهم يحاربون الاستعمار الفرنسي لإجلائه عن أرض الوطن، والان وقبل أيام قليلة ستة عشر مواطنا يفضون في حادث مرور سببه الأول والأخير اهمال الدولة وانعدام البنية التحتية بالمنطقة ولازالت قائمة الضحايا تطول والأسباب تتعدد من إرهاب وفقر وبطالة وجوع.

في بلاغ له، أكد المنتدى الاقتصادي والاجتماعي على الوضعية المأساوية للقصرين جاء فيه ما يلي: “مرة أخرى تكون القصرين، التي طالها التهميش لعقود وقدمت أكبر عدد من الشهداء للثورة التونسية جهة منكوبة: عملية إرهابية استهدفت جنودنا البواسل في جبل سمامة، مواطن يموت خلال تبادل لإطلاق النار بين قوات الأمن والإرهابيين في المدينة وحادث مرعب يزهق أرواح ستة عشر مواطنا ويخلّف أكثر من ثمانين جريحا.

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية – الذي سبق و أن قدّم ملفا لهيئة الحقيقة والكرامة باعتبار القصرين جهة ضحية-  يقف إجلالا لكل الشهداء ويتقدم بأحر التعازي لعائلتهم متمنيا الشفاء العاجل لكل الجرحى يؤكد ان التضحيات التي قدمتها الجهة لم تقابل بعد أكثر من خمس سنوات من الثورة إلا بمزيد التهميش وتعميق الفقر وزيادة نسبة البطالة وغياب الخدمات الأساسية للمواطنين في الجهة ، ولا أدل على ذلك من حالة الفوضى التي تلت الحادث الأليم الذي جد في مدخل قرية خمودة بسبب تأخر الإسعاف وعدم جاهزية المستشفيات التي أثبتت عدم قدرتها على استيعاب ومعالجة الجرحى والمصابين مما أدى الى اللجوء الى ولايات مجاورة لم تكن خدماتها وجاهزيتها بأفضل حال”.

هذا البلاغ جاء كغيره من البلاغات والصيحات التي يطلقها المجتمع المدني والمنظمات حول مأساة القصرين، دون أن تترك أثر واضحا في السياسات التي تنتهجها الحكومات المتعاقبة على البلاد منذ الثورة، ودون أن نرى تغييرا فعليا في واقع ولاية تحتضر،

فالقصرين هي الثانية من حيث أعلى نسبة في مؤشر الفقر والبطالة ب30،5 بالمائة،    بنسبة بطالة تقدر ب38،9 بالمائة بينما لم يتجاوز مؤشر التنمية 0،16 بالمائة ،و لا ننسى نتائج الباكالوريا هذه السنة حيث تذيلت القصرين القائمة في ترتيب النتائج والحال ليس افضل حتى في قطاع الرياضة حيث تعاني الفرق الرياضية بالقصرين الامرين و تقبع دائما في اخر الترتيب لانعدام الإمكانيات و ضعف الموارد.

هذه النسب معروفة ومعلومة لدى السياسيين والوزراء و الحكومة، و نراها دائما تتصدر خطبهم خاصة الانتخابية منها، أو كلما جد حادث في المنطقة ينبئ بكارثة إنسانية قادمة، و يصر المسؤولون على ان إجراءات جديدة ستتم لفائدة المتساكنين، الا أن تواصل تدني مؤشرات التنمية و ارتفاع نسب البطالة و الفقر تؤكد ان ولاية القصرين حالها حال الجهات الداخلية ككل، هي خارج الحسابات السياسية للحكومات المتعاقبة على تونس فالجهة هي فقط عيّنة عن حالة اقتصاديّة مترديّة تعيشها عديد الولايات في البلاد، فأحزمة الفقر في المدن الكبرى لازالت تمتد و تتوسع، حيث لا تقتصر مظاهر التهميش على المؤشّرات الاقتصاديّة فحسب، بل تشمل الخدمات الاساسيّة والصحّة والبنى التحتيّة. الفصل 12 من الدستور الذي ينص على مبدا التمييز الإيجابي نحو الجهات المحرومة ويوضح دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان تنمية عادلة بقي كغيره من الفصول القانونيّة التي أقرّت بعد الثورة مجرّد حبر على ورق أمام حسابات السياسيّين وصراعات النفوذ والمصالح الذّي حجب المطالب الكبرى لمن كانوا يوما ما في الصفّ الأوّل للمواجهة.

حسناء عمري

Facebook Comments