Loading...

تشير كلّ المعطيات الى أنّ نسبة الأموال الفاسدة التي تخترق أوردة الاقتصاد التونسي تجاوزت نصف المبالغ الجملية، وهو ما جعل اصحاب تلك الأموال يتمكّنون من الاقتصاد والسياسة ويتوسّعون نحو المال والاعلام، فخلقوا مربّعا مافيوزيا أنهك الدولة.

المنبرنيوز:
نصف الاقتصاد التونسي هو اقتصاد غير شرعي، يشتغل في الظلام، وتنشطه مجموعات و«كارتيلات» ولوبيات ومؤسسات صغيرة تمثّل ثلث المؤسسات الناشطة في البلاد وتشغّل أكثر من نصف مليون تونسي.
وينتعش الاقتصاد الموازي أساسا من التجارة الموازية، أو التهريب، الذي يعمل على منتجات مثل المواد الطاقية والغذائية والصيدلة والتبغ والسلاح، وهو الرابط بين التهريب والارهاب، اذ يتقاطع الطرفان أساسا في تجارة المواد الطبية والسلاح وكلّ ما تعلّق، ورغم أن وزارة التجارة تعتبر أن المهرّبين يغذون الاقتصاد الموازي بنسبة ثلاثين في المائة، الاّ أنّ معطيات منظمات المجتمع المدني تشكّك في هذا الرقم وتعتبره أكثر من ذلك بكثير وقد يصل الى الضعف.
خارج اطار الدولة
هذا النوع من الاقتصاد، يشتغل خارج اطار الدولة فهو لا يعترف بها أصلا، اذ لا يدفع التجار الموازون والمهربون الضرائب للدولة ولا يلتزمون باسعارها ولا يساهمون في الاداء على القيمة المضافة ولا يعترفون بالحدود الأمنية ولا باستراتيجيات الدولة.
رأس المال القذر الذي يتحرّك خارج اطرالدولة، انما يتداخل في تقاطعات مع الاقتصاد المنظّم وبالتالي مع رأس المال «الرسمي» فيتداخل معه ويشاركه في الكثير من اللحظات والمواضع في العملية الاقتصادية، فيضفي عليه مشروعية يفتقدها، وهنا تتمّ عملية التبييض وفي كثير من الأحيان تتم هذه العملية بشكل منظّم أي باشراف جهاز من أجهزة الدولة أو موظف من موظفيها.
هذا الجهاز أو الموظف، يتمّ شراؤه وبالارتشاء، ويتمّ تحويله في مرحلة من المراحل، الى حالة نوعية جديدة، فيصبح عنصرا من عناصر رأس المال القذر، ويتحوّل الى أحد عرّابيه وسماسرته.
رأس المال، مهما كان نوعه، له طبيعة تتسم بثلاث سمات وهي التوسّع والربح السريع وتحقيق الغاية دون النظر في الوسائل، وهو ماجعل البعض يقول إن رأس المال لا أخلاق له، وهو أيضا لا يعترف بالجغرافيا لذلك يُقال لا وطن له.
لرأس المال القذر نفس السمات، وهو يتوسّع ويحقق الربح ويعتمد كل الوسائل للوصول الى غايته (الغاية تبرّر الوسيلة)، لذلك فهو يوظّف كلّ مستطاعه لضمان تلك الطبيعة، وهو ما جعل القائمين على المال القذر يصنعون «أجنحة» لهم في السياسة، وأيضا رجال السياسة يعملون على ايجاد حلفاء لهم من خلال أصحاب رأس المال، وذلك لضمان التمويل والترفيع من احتمال بلوغ السلطة، وعادة يراهن المال الفاسد على شخصيات بعينها، لايصالها للسلطة، ومن أجل تلك الغاية يستعمل كلّ الوسائل من اغتيال وسرقة وخاصة الدعاية والدعاية المضادة من الرمادية الى السوداء.
رجل المال الفاسد ورجل السياسة
التحالف بين رجل المال الفاسد ورجل السياسة يجعل حتما من هذا السياسي رجلا فاسدا، ولا يمكن لهذا الصنف من راس المال أن يتحرّك بشكل منعزل، فالجغرافيا تنتفي في مثل هذه الحالات لذلك تجده مطبعا مع دول ومجموعات وعصابات ومافيات ومجموعات ضغط اجنبية، وعادة يكون في حالة تبعية بموجب علاقة اشباه المستعمرات بدول المحور، وتلك العلاقة التبعية تجد تجلياتها في الموقف السياسي الذي يمثله رجل السياسة المدعوم من المال الفاسد، وكم من «زعيم» سياسي تبيّن أنه مجرّد لعبة بيد المافيات العالمية مثل رئيس البيرو الأسبق فوجيموري، الذي تمّ اسقاط حكمه بعد انكشاف أمره وتورّطه في الارتشاء والفساد.
حركة رأس المال القذر هي نفسها في كافة بلدان العالم، ولكنها في أشباه المستعمرات تكون أكثر عنفا، باعتبار امكانية شراء ذمم المسؤولين والمؤسسات.
المال الفاسد، يلجأ الى الكثير من الحيل للدفاع عن نفسه وتبرير وجوده أصلا، ومن اجل التمكّن السياسي فانّه يعتمد كلّ أساليب الدعاية والدعاية المضادة، فيشتري بعض المؤسسات الاعلامية وبعض الأصوات، ويرتبط بذلك المال الفاسد بالسياسة والاعلام، فنكون ازاء مثلّث قادر على صناعة راي عام و«تنظيف» القذارة الاقتصادية التي تميّز حركته، وبالفعل فانّ البارونات المتورّطة في التهريب استطاعت اختراق العديد من الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات، وتمكّنت بعد ذلك من شراء وسائل اعلام وذمم بعض الأقلام والأصوات، وكم من مرّة شاهدنا تغيّر الموقف الى one hundred eighty درجة من السلبية الحديّة الى الايجابية المطلقة والدعم اللامشروط، ورأينا حملات اعلامية لفائدة رجال أعمال تمكّنوا من اخماد القضاء وشلّ حركة الأمن وتمكّن من حصانة واقعية بموجب الاستطاعة المالية.
دوائر التحصين
هنا لا تكتمل دائرة الحصانة الممكنة لحركة رأس المال القذر الاّ بالتمكّن من القوّة وهو ما جعلهم يخترقون وزارة الداخلية ويخترقون من خلالها أجهزة بأكملها، الأمر الذي جعل العديد من عمليات التهريب يتورّط فيها أمنيون.
وباعتبار العلاقة الموضوعية بين الاقتصاد الموازي الذي ينتعش أساسا من التهريب والارهاب، فانّ عددا من الأمنيين تورّطوا مع ارهابيين سواء بالتستّر عليهم أو بايصال المعلومة اليهم، وقد تدخّل مسؤولون أمنيون كبارا لفائدة ارهابيين أجانب حجز لديهم السلاح من أجل مساعدتهم وانقاذهم، بل بلغ الأمر حسب العديد من الأبحاث في قضايا الارهاب الى تورّط أمني في قيادة سيارة «أبو عياض» وهناك شكّ لدى المحامين والحقوقيين في وجود قيادات كبرى بالداخلية لها صلة بالمهرّبين وبالارهابيين، وهو ما يعني آليا صلتهم بالمال الفاسد، ومن اليسير أن يلاحظ المتابعون دفاع بعض المؤسسات الاعلامية والأصوات عن تلك اللوبيات والمجموعات والعصابات، سواء بالأسلوب المباشر أو باستعمال البرهنة بالخلف، أي طرح الأسئلة الانكارية والتشكيك في كلّ الروايات والتلويح تصريحا أو تلميحا باتهام جهات سياسية وأمنيّة معيّنة بغاية تغيير موازين القوى لفائدة عصابات المال الفاسد.
رأسمالية التوحّش
اذن عندما يلتقي المال الفاسد بالسياسة والاعلام والأمن فانّنا نكون أمام مربّع له القدرة على انهاك الدولة وضرب أركانها لتهيئة الشروط الموضوعية لحركة رأسمال غير مراقبة ودون حدود قانونية أو أخلاقية وهي مرحلة التوحّش الحقيقية التي تغيب فيها الدولة لفائدة العصابات بشتّى مجالاتها، عندها تكون لها القدرة على القتل والتدمير.
الصراع مفتوح بين الدولة وأعدائها الهيكليين، وتاريخيا، للدولة أسبقية في الانتصار اذا كان العقد الاجتماعي بين المواطنين يستند الى قيم المواطنة.

Facebook Comments