Loading...

انطلق على ما يبدو رئيس الحكومة يوسف الشاهد في حملة، ولو محتشمة، لمحاربة الفساد الذي أصبح الحديث عنه اليوم في تونس علنيّا بعد أن كان في السنوات الأخيرة غير معترف به رسميا من قبل الدولة. كما يظهر أنّ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد برئاسة شوقي الطبيب لها إصرار واضح على كشف الفساد والمفسدين في الدولة وإن كانوا من صغار المسؤولين في الإدارة التونسيّة.
غير أنّ الملفات التي تحدث عنها أصحابها وكشفوها للرأي العام بحثا عن مصلحة الدولة ومعاقبة المسؤولين عن الفساد والرشوة، مازالت على ما يبدو هذه الملفات تلقى معاملة انتقائيّة. كما أنّ كاشفي ملفات من الحجم الثقيل تعرضوا للعديد من التضييقات والعقوبات وصلت حد الإيقاف عن العمل لاسيما في الملفات التي تتعلق بإدارات حساسة وحيوية في الدولة على رأسها وزارة الداخلية..

حاتم خربوش محافظ شرطة أعلى أفنى ما يقارب 27 سنة من عمره في خدمة أمن البلاد وحماية الممتلكات الخاصة والعامة، يعتبر من الأمنيين القلائل في تونس الذين كشفوا ملفات فساد وإجرام من الحجم الثقيل. ولكن عوض أن يقع تكريم حاتم خربوش تم عزله بشكل مفاجئ عن العمل في سبتمبر 2015 بسبب “تسريب وثيقة إدارية” حسب التفقدية العامة لوزارة الداخلية.
ومن أبرز الملفات التي كشفها محافظ الأمن الأعلى حاتم خربوش في فيفري 2012، عصابة نافذة بميناء رادس تتكون من عناصر خطيرة ذات علاقات متشابكة مع أطراف وإطارات ديوانية وأمنية وقضائية نافذة، كانت تتحوز على سيارات أجنبية فاخرة منها سيارة هامر، بدون وثائق، إلى جانب وثائق أخرى رسمية مدلسة لاستخراج حاويات من الميناء ورخص جولان عذراء وأختام لعدة شركات وعقود وبطاقات رمادية لعدة سيارات أجنبيّة وعدد من الصكوك الفارغة وأختام رصاصية غير مستعملة تستخدم لختم أقفال الحايوات والعديد من الوثائق الأخرى المشبوهة وكمية من المخدرات وغيرها.
وهو ما يفهم منه أنّ العصابة كانت تعمل على توريد سيارات أجنبية فاخرة من الخارج وإدخالها بطرق غير شرعية ومخالفة للقانون عبر ميناء رادس وتزوير وثائقها ثم استعمالها أو بيعها لشخصيات أخرى بعد التهرب من المعاليم الديوانية ومخالفة القانون. بل أن هذه العصابة التي كشفها خربوش بالضاحية الجنوبية للعاصمة كونت ديوانة موازية لجلب السيارات الفاخرة وبيعها في العاصمة بعد تزوير كل وثائقها.
إلاّ أن المتهمين في القضية تم وتبرئتهم بعد تدخل أطراف نافذة والتلاعب بنتائج التحاليل، حسب رواية خربوش الذي قال أنه يمتلك كل مؤيدات أقواله واتهاماته الموجهة لعدد من الإطارات السامية بوزارة الداخلية في الغرض.

قضية أخرى لا تقل خطورة كشفها حاتم خربوش في قلب العاصمة تونس في تاريخ 5 ماي 2012، تتمثل في كشف عصابة خطيرة وذات علاقات نافذة مع إطارات أمنية سامية ومعروفة وشبكة من العلاقات في وزارة أملاك الدولة وبعض البلديات وغيرها من مؤسسات الدولة. اختصت هذه العصابة التي كان يقودها شخص منتحلا شخصية ضابط أمن وحاملا لبطاقة أمنية مزورة ووصولات بنزين تابعة لوزارة الداخلية وله علاقات وطيدة بعديد القيادات والإطارات الأمنية، اختصت في تزوير عقود عقارات عديدة تابعة لمتوفين دون ورثة والتصرف فيها وبيعها وتدليس شهادات الملكية بالتعاون مع أطراف أخرى من رجال أعمال ومسؤولين بالدولة..

إلى جانب عديد القضايا الأخرى التي نجح خربوش في كشفها على غرار عصابات مختصة في سرقة السيارات وتفكيكها وبيعها، وشبكات دعارة ومحدرات. جعلته يشكل خطرا على عديد الفاسدين من رجال وسيدات أعمال وإطارات سامية مرتبطة بالمال الفاسد في وزارة الداخلية وغيرها لاسيما في القضيتين الأولى والثانية المتعلقة بعصابة جلب السيارات الأجنبية الفاخرة وتزوير وثائقها وعصابة بيع العقارات وفي كلاهما توجد شبكة متداخلة من أصحاب المال والسلطة والنفوذ مورطة في الفساد بصفة مباشرة وغير مباشرة.

وجدير بالذكر أنّ خربوش قبل أن يقرر كاتب الدولة للأمن رفيق الشلي عزله في موفى 2015 بصورة مفاجئة، تمت إحالته عديد المرات على مجالس الشرف واستجوابه من قبل بعض رؤسائه بسبب تحقيقاته وتتبعه لأطراف مورطة في القضايا المذكورة. وقال أنه تعرض للعديد من التهديدات والتلميحات سبقتها عروض مالية بالرشوة للتخلي عن تتبع بعض المورطين منها ما تورطت فيها سيدة أعمال بالضاحية الجنوبية للعاصمة ومعارفها..

ويبدو بعض الذين أقلقهم خربوش في تحقيقاته أو مراسلاته وتقاريره الأمنية من إطارات، استغلوا تقلد رفيق الشلي لمنصب كاتب الدولة للأمن في فيفري 2015 وتسمية بعضهم في مناصب جديدة حساسة، لتصفية حساباتهم مع محافظ الأمن خربوش الذي لم يتوان في التصريح والقول بأنّ هناك فاسدون نافذون في وزارة الداخليّة يسيرون دواليبها، ليقع عزله عن العمل بتعلة وصفها بالواهية والمفتعلة وهي اتهامه بتسريب وثيقة إدارية غير سرية لأحد زملائه في السلك الأمني؟ وهو ما رآه خربوش انتقاما منه على خدمة الدولة بإخلاص وضمير وكشف فساد من الحجم الكبير وإطارات استغلت نفوذها لجني مئات الملايين عوض السهر على أمن البلاد وحمايتها من الإرهاب والإجرام والفساد. على غرار رئيس مجلس الشرف والمتفقد العام للأمن حينها وغيرهم..
ويذكر أنّ قضية محافظ الأمن حاتم خربوش حاليا لدى القضاء الإداري بعد رفع قضية بالطرد التعسفي ضد وزارة الداخلية.

وتعتبر هذه الحالة النادرة من كشف أخطبوط فساد من الحجم الكبير في تونس متغلغلا في عدة إدارات ومؤسسات حساسة على رأسها وزارة الداخليّة، خير مثال على عدم جدية الإدارة التونسية في التعاطي مع ملفات الفساد الكبيرة ومعالجتها بشكل صارم وحازم . وخير دليل على ذلك أنه عوض تكريم حاتم خربوش وتوسيمه وقع عزله عن العمل وحرمانه من مورد رزقه ورزق أبنائه الثلاثة.
لذلك على رئيس الحكومة الحالي إن كان جادّا في محاربة الفساد والقضاء عليه، الاطلاع فورا على تفاصيل قضية خربوش والاستماع إليه وتطهير مؤسسات الدولة من كل الفاسدين والمشبوهين وتفعيل قانون المساءلة المالية “من أين لك هذا” خاصة لإطارات الدولة بالإدارات والقطاعات السيادية والحساسة.

Facebook Comments