Loading...

لا يمكن للتصريحات التي أدلى بها عبد الحميد الجلاصي القيادي في حركة النهضة أن تمرّ دون الوقوف عند بعض الأسئلة، محورها هل مازالت النهضة هي نفسها زمن الترويكا؟ وهل دخلت الحركة هي أيضا مرحلة التشقّق مثل بقية الأحزاب؟ وكيف يمكن استشراف مآلات هذه الحركة؟

لم يخف الجلاصي، وهو أبرز القيادات التاريخية لحركة النهضة، عدم رضائه عن الاداء السياسي وعن توزيعية الموارد البشرية للحركة بمعنى عدم اتفاقه مع التوجه الحالي الذي أصبحت عليه النهضة خاصة بعد مؤتمرها العاشر الذي انعقد في 23 ماي الماضي.
توجهان متناقضان
التوجه الحالي يقوده راشد الغنوشي وعدد من معاونيه مثل لطفي زيتون وزياد العذاري… وهو توجّه شبه ليبرالي يعتمد في ادارة الدولة على التحالف مع نداء تونس، في حين يرى الشق الثاني الذي يمثله عبد الحميد الجلاصي وَعَبد اللطيف المكي وسمير ديلو… وهم الذين اختاروا عدم الالتحاق بالمكتب التنفيذي الذي أعطيت امانته العامة للعذاري، في نفس الاتجاه المعارض لتوجه الغنوشي وجماعته نجد علي العريض الذي لم يستطع رفض الالتحاق مهمّشا بالمكتب التنفيذي رغم رمزيته التاريخية والسياسية ورغم خبرته كوزير وكرئيس حكومة أسبق، ومع ذلك رضي بما أعطي له في الهامش.
قضايا الخلاف الثلاث
اذن نحن أمام توجهين أساسيين، بصدد مراكمة الاختلاف والخلاف أحيانا، وبالتالي نحن لسنا أمام حركة النهضة التي يرى المحللون أنها كينونة موحّدة، بل على العكس من ذلك فان معارضة راشد الغنوشي بصدد الاتساع خاصة في علاقة بثلاثة ملفات أساسية، وهي: المسألة الديمقراطية أي آليات ادارة الحركة واتخاذ القرار صلبها، فالغنوشي مع أن يكون القرار بيد المكتب التنفيذي وهو ما أقره المؤتمر في ماي الماضي، بعد أن هدد بالاستقالة في صورة عدم مسايرته في ما أراد، في حين يرى معارضوه بأنّ القرار يجب أن يكون بيد الهيكل التشريعي وهو تنظيميا داخل النهضة مجلس الشورى، وعلى المكتب التنفيذي أن يكون اطارا للتنفيذ لا غير.
امّا الملف الثاني الذي يعتبر موضوع خلاف بين الطرفين، فهو مسألة التحالف مع نداء تونس. ففي حين يرى الغنوشي وجماعته أنّ التحالف مع نداء تونس هو تحالف تكتيكي أساسي في المرحلة التاريخية الراهنة للبقاء ضمن مجالات ادارة الدولة ولتفادي أي إمكانية للمواجهة مع بقية مكونات المجتمع وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل واليسار، في حين يرى معارضوه أنّ التحالف مع نداء تونس ليس تحالفا نديا إنما هناك تبعية من النهضة تجاه النداء بسبب الاتفاق والارتباط القوي بين رئيس الحركة ورئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، ويطالبون بمراجعة هذا التحالف خاصة وأنّ النداء يريد أن يتحوّل الى حزب الدولة في تصورهم وإنّه أصبح يعوّل أكثر على الكوادر التي تربت في ماكينة حزب التجمع المنحل والتي تريد اعادة الهيمنة على مفاصل الدولة وفقا لمتطالبات المرحلة وخصوصياتها السياسية والتاريخية.
المسألة المالية
أمّا موضوع الخلاف الثالث فهو غير معلن وتسعى كل الأطراف الى إخفائه وهو موضوع الادارة المالية، اذ أن حركة النهضة تحوّزت على مبالغ مالية طائلة، سواء في فترة ما يسمّى بالتهجير أو فترة الترويكا الحاكمة أو في فترة الانتخابات، وهي مبالغ بالمليارات ومع ذلك لم تتم عملية تدقيق، ويعتبر هذا الملف الأكثر إحراجا وغموضا لارتباطه ومركزيته لدى راشد الغنوشي، فالمسألة المالية ليست مسألة ديمقراطية اذ هي غير قابلة للسؤال ولا للتدقيق أو المراجعة. بعض القيادات داخل النهضة تطالب بعملية تدقيق شاملة.
اغتيال بلعيد واستقالة الجبالي ، لحظة المنعرج
هذه الاتجاهات وملفات اختلافها، لها جذورها التاريخية، اذ تعود الى فترة اغتيال المناضل الوطني الشهيد شكري بلعيد يوم 6 فيفري 2016 عندما قرّر حمادي الجبالي تشكيل حكومة وحدة وطنية و الاستقالة ان لم ينجز ذلك وهو ما تمّ فعلا، وتعتبر العديد من القيادات سواء العليا أو الوسطى أنّ حمادي الجبالي هو شخصية تجميعية قادرة على احداث التوازن مع الغنوشي وجماعته وله القدرة على المبادرة حسب رأيهم.
مبادرة الجبالي اثر اغتيال المناضل الوطني الشهيد شكري بلعيد، لم تجد قبولا من قبل الغنوشي وجماعته، الذين انتفضوا عليه وكانت فرصة لإبعاده من الحكومة ومن قيادة النهضة وقد خرج رئيس الحركة لأول مرّة في تاريخه في مسيرة جابت شارع الحبيب بورقيبة ضدّ الجبالي تتهمه بالتواطؤ مع «الثورة المضادة».
استقال الجبالي وأنهى علاقته بالنهضة، وهو من الشخصيات المؤسسة والتي قدمت سنوات في سجون بن علي، ومن ذلك التاريخ اختلت موازين القوى لفائدة شق الغنوشي الذي بدأ يتوسع في مؤسسات الحركة حتى بلغ مرحلة الحزب الرئاسوي.
الترويج « للحمائم والصقور»
استطاع الغنوشي أن يسوق لصورة ليبرالية منفتحة في حين يطغى لدى الرأي العام وفي وسائل الاعلام راديكالية المجموعة الأخرى لذلك تمّ استعمال ثنائية مخاتلة وهي الحمائم والصقور، في حين الخلاف ليس مرتبطا في جوهره بأصول الحركة وأدبياتها السياسية والأيديولوجية بل بالممارسة السياسية للنظرية الأدبية.
فالواضح بالنسبة الى ما يقوم به رئيس الحركة أن له قدرة على المناورة والتحرّك وضرب خصومه من صالح كركر الى حمادي الجبالي وصولا الى علي العريض وعبد الحميد الجلاصي، وهو الآن في مجال التحرك المتواصل وطنيا وجهويا واقليميا ودوليا، وقد ابتدع الرجل ما يسمّى بالديبلوماسية الموازية لديبلوماسية الدولة الى حد اعتماد مكلف بالشؤون الخارجية وكأنه وزير خارجية النهضة وهي الخطة التي أشعلت النيران بين لطفي زيتون ورفيق عبد السلام بوشلاكة، وهي نيران لم تهدأ بعدُ.
صورة الغنوشي التي تتشكّل
هذه الصورة التي يسوّق لها الغنوشي، من خلال:
تعدد الزيارات في الجهات.
اتصالات بمسؤولية سياسيين
اتصالات متواصلة بقيادات المجتمع المدني وخاصة المنظمات الكبرى.
إيجاد استراتيجية إعلامية.
التنسيق مع عدد من اصحاب المؤسسات الإعلامية ورؤساء التحرير وصحفيين للترويج الى صورة الرجل المنفتح التجميعي.
اتصالات خارجية من خلال التطبيع مع دول كان يعتبرها الى زمن قريب شيطانية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا والصين.
تكثيف العلاقات مع رؤساء دول مثل أردوغان وَعبد العزيز بوتفليقة وملك السعودية وأمير قطر…
دعم لا مشروط للباجي قائد السبسي حتى في الخطإ
التمسك بالتحالف مع نداء تونس عبر الباجي قائد السبسي.
دعم السبسي في رغبته تحويل النظام في تونس من نظام شبه برلماني الى نظام رئاسي.
تقوية نفوذه داخل النهضة والاستحواذ على كل مفاصل القرار.
تكثيف علاقاته برجال الأعمال وأصحاب النفوذ المالي والسياسي.
عيون على قصر قرطاج
كل تلك المؤشرات يمكن قراءتها باعتبارها علامات على أنّ الرجل بصدد بناء قاعدة شعبية لفائدته الشخصية محليا وجهويا وبصدد إيجاد دعم وسند دولي لشخصه وبصدد تشكيل علاقات جديدة مع قوى النفوذ والقرار الوطنية والدولية اضافة الى العمل على أن يكون صاحب القرار داخل حزبه مع الدفع في اتجاه نظام رئاسي يبدؤه السبسي ثم يواصله الغنوشي، انها مؤشرات على أن عينيه انفتحتا جيدا على كرسي قصر قرطاج، ومن هنا اكتمل مشهد الانشقاق داخل النهضة.

تونس ـ الشروق

Facebook Comments