Loading...

طبعا ليس المصطلح تونسيا لكنه في مجتمعات عربية أخرى يستخدم حاملا كمّا كبيرا من الدلالات أي أنه كما يقال مشحون بأوجه كثيرة من المعاني كلها تحيل إلى نوع من إعطاء المكانة الكبيرة لشخص رئيس الجمهورية الذي بيده كل السلطات دون فصل وهذا محكوم بعقلية لدى الرئيس والمرؤوس عنوانها عدم الفصل بين السلطات أي ثقافة الراعي والرعية بما تحمله من مخزون ماضوي لصورة الحاكم والسلطان والخليفة وأمير المؤمنين أي أن كل الرعية مؤمنون وزعيمهم هو أمير هؤلاء المؤمنين .

المفهوم والمصطلح الضارب في القدم وهو “الريّس” المرتبط بحقل كامل من المعني مثل فخامته وجلالته وسعادته ووسيادته يحمل أيضا معاني ضرورة الخضوع للراعي وولي الأمر لان ذلك من طاعة الله والتمسك بالجماعة ومن خرج عن الجماعة فقد مرق من الدين.
هذا التفسير الذي كرّسه معشر العلماء والفقهاء طوال قرون لم يتغير فيد الله مع الجماعة ومعارضة الحاكم وولي الأمر تؤدي إلى الفتنة وهي أشد من القتل.

.
وسط هذا البحر المتلاطم من الموروث يتحرك حكام العرب فالدين أهم معطى لتشريع حكمهم وسيطرتهم وباسم الدين يصبحون أولياء الأمر فيبايعون إما بانتخابات مزورة أو مناشدة أو تفويض أو بيعة. كل يبتكر أو يوظّف الطرق والأساليب الجاهزة لينتقل الأمر إن تقادم النظام إلى ترويج أساليب وماكينات أخرى منها أنا أو الفوضى الاستبداد أو الإرهاب الامن أو الحرية. أي كلمة حق يراد بها باطل.
العقلية السياسية في بلادنا لم تخرج عن هذه التصورات فبورقيبة استلب الحريات باسم بناء الدولة وان كان الأمر مقبولا في الفترة الأولى من حكمه باعتبارها عند البعض خطوة إلى الوراء تعقبها خطوات إلى الأمام إلا انه في الفترة الثانية تحول أو حولوه إلى الحاكم بأمره والرئيس مدى الحياة.
غيره وجد في قضية فلسطين خير شرعية لحكمه فرفع شعار تحرير فلسطين وإلقاء “إسرائيل” في البحر شعارا لكن مع الوقت استهلك الشعار هو الآخر ففلسطين لم تعد بديلا عن الحرية والتنمية ونيل الحقوق الطبيعية لشعوب بما فيها الديمقراطية.
كل هذا ننزّله في تجربتنا اليوم أي شكل الحكم.

بعد إرساء دستور كان فيه الخيار حكما برلمانيا خوفا من استبداد الشخص انتقلنا إلى مرحلة ثانية هي كيف لرئيس مهووس بعقلية وصورة الحاكم العربي التقليدي أن يتحول فجأة إلى حاكم شرفي كما الإمبراطور في اليابان أو الملكة في انقلترا أو الرئيس في ألمانيا؟
ليس من السهل على شخصية تربت في حضن الفكر السياسي التقليدي أن ترضى بهذا وحتى إن قبلت به على مضض وبإكراه فإنها ستعمل على مقاومته بل ومحاربته وهذا ما يفعله الرئيس التونسي الحالي أي كيف يفرض نفسه كرئيس تقليدي على المنوال الماضوي الذي تربّي عليه كوعي وأيصا سياسيا؟

المسألة قد تخرج عن طبيعة وعي وثقافة الشخص فقبل الرئيس الحالي كان الرئيس السابق وهو حقوقي يصارع ليفرض هذه الصورة لكن الحجة هنا هي مقاومة الثورة المضادة والنظام السابق وهو ما صرح به رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي كون المنصف المرزوقي لم يقتنع يوما كونه رئيس بلا صلاحيات كبيرة .
في المقابل فان الباجي قائد السبسي كان مصرا أكثر على تكريس هذه الصورة وخاصة اليوم من خلال السيطرة على صلاحيات رئيس الحكومة وهو إجراء ظاهره دستوري لكنه في الحقيقة تجاوز للدستور واتنقلاب عليه فكيف ذلك؟

لعلنا لا نبالغ إن قلنا إن الأمر كان خدعة ففي البادية كان الشعار حكومة وحدة وطنية لكن ثبت حاليا كون المسألة لم تخرج عن محاصصة جديدة قد تكون بين نفس الأحزاب .

الأمر الثاني رفعه شعار رئيس حكومة توافقي لكن الرئيس يفرض اسما من عنده أي من المقربين منه ونقصد هنا شخص يوسف الشاهد هذه الشخصية التي كانت مغمورة قبل أن يبرزها ويشهرها الباجي قائد السبسي ويكلفها” بمهام كبيرة” ثم تصنع له هالة إشهارية حول نجاحه وتميزه أولا في رئاسة لجنة ال13التي كلفت بالمصالحة في نداء تونس في حين أن الحزب تفكك أكثر من السابق ثم منحه وزارة مرتبطة بالداخلية هي الشؤون المحلية ومجددا يبرز كونه أعدّ مشروع التقسيم البلدي في حين أن النتيجة الأصلية هي فشل آخر حيث أن الانتخابات البلدية تؤجل مرة أخرى .

اختيار الشاهد لم يكن بسبب الكفاءة والتميز الذي روّج له فالأمر لم يخرج عن كونه جعجعة بلا طحين- بالمعنى الشرقي للمصطلح – بل هذا الاختيار هو بهدف واحد وهو صنع رئيس حكومة على المقاس أي على مقاس سيادته وفخامته وسعادته .

محمد عبد المومن

Facebook Comments