Loading...

منذ أن أعلنت قاعة “الكوليزي” عن عرض فيلم المخرج الإيراني الكبير، مجيد مجيدي، الذي يروي قصة طفولة النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، قبل البعثة، حتى قامت “القيامة” على صفحات التواصل الاجتماعي، قيامة وجد فيها بعض “المرضى” فرصة أخرى للتحذير من خطر نشر “التشيّع” في تونس.

طبعا وزارة الثقافة، في شخص السيدة منيرة بن حليمة، مديرة الفنون السمعية البصرية بوزارة الثقافة، حسمت الأمر بالتأكيد على أنها لم تمنح تأشيرة عرض الفيلم في تونس، وهو حسم يفهم منه أن الفيلم لن يعرض في موعد 21 سبتمبر الجاري، مثلما أعلنت عن ذلك قاعة الكوليزي.

الغريب في كلّ هذا، وهنا مربط  الفرس، أن الفيلم لم يشاهده أحد، وأن الزوبعة برمتها يقف وراءها متشددون اصوليون، وساء من جهة السنة أو الشيعة، أفتوا بحرمة تجسيد النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن الفيلم، للمفارقة، لم يجسدّ النبي بالمرة.

لنعود قليلا إلى قصة فيلم مجيد مجيدي، الفيلم يروي قصة طفولة النبي محمد، صلّى الله عليه وسلم قبل الرسالة، منذ ولادته حتى سن 13 عاماً، من خلال رؤية إنسانية لشخصية الرسول، والبيئة التي نشأ فيها، وعلاقته بأقرانه وبمن حوله، وسلوك الرحمة والرأفة والتسامح الذي تميّز به محمد بن عبد الله، وكيف كان يتعامل مع أبناء جيله صغاراً وكباراً، مع عدم الإشارة إلى أن هذا الصبي القرشي المختلف، سيصبح نبياً، يغيّر وجه الدنيا.

فترة طفولة النبي محمّد التي تبدو غير معروفة بالمرة لمعظم العرب والمسلمين، على أهميتها، اعتمد فيها المخرج، وهنا المفارقة الثانية، على مراجع سنية، لعل أبرزها تاريخ الطبري، مثلما اعتمد أيضا على مراجع شيعية.

للتذكير فقط عرض الفيلم في شهر أوت من سنة 2015، في معظم دور العرض في إيران، مثلما عرض أيضا في الافتتاح الرسمي  لمهرجان «أفلام العالم» في مونتريال بكندا. لكنه واجه اعتراضات عربية عنيفة، وأخرى إيرانية متشدّدة، تشبه تلك التي واجهت فيلم «الرسالة». حجّة المعترضين هي تجسيد شخصية الرسول، على رغم أن الفيلم لم يجسّد شخص الرسول صلّى الله عليه وسلم، بالمعنى المباشر.

طبعا لن ندخل في قضية تجسيد الأنبياء وهي قضيّة جد معقدة، وتدخل تحت قاعدة “سد الذرائع”، ولكن لنتفق أولا على أن الفيلم لم يجسد النبي الكريم، كما لم يظهر ملامحه، بل اكتفى بظل جسمه وظهره، ووجه الرسول لم يظهر طوال الفيلم، فضلاً عن أن صوته لم يُسمع إطلاقاً، وكان هناك من يتحدث نيابة عنه. بمعنى أن المخرج الإيراني طبّق مبدأ المخرج العربي الراحل مصطفى العقاد في فيلم «الرسالة». لكن بعض المؤسسات الدينية نظر إلى الفيلم من زاوية سياسية، وحكم عليه لأن مخرجه إيراني، وعاود تكرار موقفه من فيلم «الرسالة» ومسلسل «عمر».

ان الزوبعة “التونسية” تثير الضحك للأمانة إذ أنّ كلّ من بنى حكمه على الفيلم بناهُ على “ما قيل” حول الفيلم ومن مصادر تنضح برائحة “الطائفية” و”كره الآخر”، في حين ان الفيلم نفسه يقدم خدمة جليلة لصورة “الاسلام” من خلال تسليط الضوء على مرحلة مجهولة في حياة النبي الأكرم، تخاطب الأنا العربي المسلم مثلما تخاطب الآخر الغربي الذي ساهمت “القاعدة” و”داعش” في ترهيبه من هذه الرسالة الكونية التي حمل ثقلها محمّدا بشيرا ونذيرًا.

نعم شتان بين من يعيش خارج الزمن وبين من يعيشهُ…زمن الصورة بلا منازع…كما هو حال “الثرثرة” التي تنضح كراهيةً… !

Facebook Comments