Loading...

بقلم مراد الحاجي
جاءنا رئيس حكومتنا المكلف أول أمس الجمعة في جلسة منح الثقة ليصارحنا على ما ذكر أهل العلم والراسخون فيه. فإذا المصارحة دعوة للشعب إلى التقشف ووعيد بتسريح العمال من أجل إنقاذ البلاد. طبعا « راس الهم دادا عيشة » على ما يقول المثل الشعبي او « راس الفرطاس قريب لربي » على ما يقول مثل آخر. فرئيس الحكومة جاء ليصارح الشعب فإذا مصارحته منقوصة وتتحول إلى نوع من المصارحة القائمة على ضرورة قبول الواقع وانتظار اجراءات مؤلمة. وهي بذلك ليست مصارحة وإنما هي تحميل للمسؤولية والقاؤها على عاتق الشعب وحده وخاصة على الكادحين منه وكأنه بذلك يقول لهم منذ البداية  » لا تنتظروا مني رحمة ولا شفقة « .
مصارحة رئيس حكومتنا كانت أشبه بعملية طرح : طرح من الحسبة الحديث عن المافيات ، عن الفساد المستشري، عن لوبيات الضغط والمال الفاسد عن التهرب الضريبي عن السعي إلى المصالحة مع من نهبوا هذه البلاد. وعلى الشعب أن يتحمل كل شيء.
مصارحة رئيس الحكومة قبل ان ينال الثقة تشبه إلى حد كبير قصة الأخوين الذين اختصما عند داوود فكان أحدهما يملك 99 نعجة فيما كان شقيقه يملك نعجة واحدة فأراد الأخ ان يبغي على أخيه فيأخذ نعجته الوحيدة لتتم له المائة. فرئيس حكومتنا لم يتحدث عن النهب الذي تتعرض له البلاد من تهرب ضريبي وألقى العبء كله على الشعب وعلى العمال. فالحل الأيسر هو تسريح العمال حسب ما يمليه علينا إله العصر: صندوق النقد الدولي. على الشعب أن يتقشف هكذا رأى رئيس حكومتنا وينبغي طرد العمال لتخفيف الأعباء. سيدى رئيس الحكومة أليس أحرى ان تتقشف انت ووزراؤك الأربعون فتتخلوا عن امتيازاتكم كلها وانتم تدعون الوقوف لتونس ؟ أما نحن فقوم جوعى لا امتيازات لنا قد نتخلى عنها. فالمتقشف يتخلى عن الكماليات ويعيش على الضروريات ونحن بحمد سياسات حزبك وحلفائه نعيش على الكفاف… ففيم نتقشف؟
انت معذور سيدي الرئيس فقد أملى عليك الرب النقدي ان يتقشف الشعب وها انت تبلغ الرسالة بلا مواربة. ومادام الرب النقدي نصير اقتصاد السوق والتسهيلات لرؤوس الأموال فمن الطبيعي أن تطلب انت إلينا نعجتنا الوحيدة لرفاه السوق وأسياده. ولكن احذر فقد يقول لك الشعب المسحوق ذات يوم » اذهب انت وربك فتقشفا إنا هنا جائعون » ووقتها سيكون قد فات الأوان.
لذلك سيدي الرئيس هذا الشعب لا يحتاج خطابات منمقة يحتاج أفعالا وأن تكونوا قدوة وان تتقشفوا انتم أولا ووزراؤكم وكبار موظفيكم وان تلاحقوا المتهربين ضريبيا قبل الالتفات إلى الكادحين ومنازعتهم في قوت يومهم. ونعدك سدي الرئيس إن تقشفت ستجد خروفا يذبح لك عند زيارة كل معتمدية حتى وإن كان نعجتنا الوحيدة لأننا لا نرضى أن يكون رئيس حكومتنا محروما من أكل لحم الضأن. فالمقامات محفوظة. قد لا يأكل الشعب الكريم اللحم ولكن الحكام والكبار ينبغي أن « يلهطوا « على حد تعبير عادل أمام. وقد بحثنا في المعجم عن معنى تقشف فوجدنا معنيين نعرضهما على رئيس حكومتنا: المعنى الأول فيه: تَقَشَّفَ الرَّجُلُ : « قَتَّرَ على نَفْسِهِ وَاكْتَفَى بِما هُوَ ضَرورِيٌّ ، وَانْصَرَفَ عنِ الْمَلَذَّاتِ والتَّنَعُّمِ  » وهنا نقول لحكومتنا أين هي الملذات أولا ثم بعد ذلك قتروا علينا. أما الثاني فهو: « تَقَشَّفَ القَوْمُ : ساءتْ أَحْوالُهُمْ وَضاقَ عَيْشُهُمْ » ولا مناص عندها من تذكير السيد الرئيس بأن حزبه وحلفاءه قد ضيقوا علينا عيشنا حتى ساءت أحوالنا فعن اي تقشف تتحدثون؟ ومسك الختام: اللهم اجعلنا نتعلم التقشف من حكامنا فهم قدوتنا. وإن لم يتقشفوا هم أولا ، فما نحن متقشفون؟
مراد الحاجي
كاتب وباحث

Facebook Comments